محمد جمال الدين القاسمي

57

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وروى البيهقيّ وعبد الرزاق وابن جرير عن عمر أنّه قال : المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة . وروى عبد الرزاق أيضا عن سعيد بن المسيب ، أن عمر بن الخطاب كتب إلى حذيفة بن اليمان وهو بالكوفة ، ونكح امرأة من أهل الكتاب ، فكتب : أن فارقها فإنك بأرض المجوس ، فإني أخشى أن يقول الجاهل : قد تزوج صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كافرة ! ويحلل الرخصة التي كانت من اللّه عز وجل فيتزوجوا نساء المجوس . . . ففارقها . وروى عبد الرزاق والبيهقيّ عن قتادة : أن حذيفة نكح يهودية . فقال عمر : طلّقها فإنها جمرة . فقال : أحرام هي ؟ قال : لا ، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن . . . وروى عبد الرزاق عن زيد بن وهب قال : كتب عمر بن الخطاب : إن المسلم ينكح النصرانية ، والنصرانيّ لا ينكح المسلمة . وروي أيضا عن جابر قال : نساء أهل الكتاب لنا حلّ ، ونساؤنا عليهم حرام . وروي أيضا عن معمر عن الزهريّ قال : نكح رجل من قومي في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم امرأة من أهل الكتاب . وروي عن ابن عمر كراهية ذلك . ويحتج بقوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [ البقرة : 221 ] وكان يقول : لا أعلم شركا أعظم من قولها : إن ربها عيسى . وأجاب الجمهور بأنه عامّ خص بهذه الآية ، إن قيل بدخول الكتابيات في عموم المشركات ، وإلّا ، فلا معارضة بين الآيتين . لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع . كقوله تعالى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 1 ] . وكقوله : وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ [ آل عمران : 20 ] . الثاني : استدل بعموم الآية من جوّز نكاح الحربيات الكتابيات . وروي عن ابن عباس : أن الإذن في الذميات خاصة ، ويقرأ : قاتِلُوا الَّذِينَ - إلى قوله - حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ . قال : فمن أعطى ، حل . ومن لا ، فلا . وهذا الاستدلال دقيق جدا . فليتأمل ! . الثالث : قال المهايميّ : لما اعتبر في طعام أهل الكتاب شبهة بالطيب - كما قدمنا - اعتبر في باب النكاح ، فأحلّ المحصنات منهم ، واحتمل كفرهنّ لأنه إنما لم يحتمل كفر غيرهم لأنهم يدعون إلى النار . وهؤلاء لما اعترفوا بأصل النبوّة ، ولا شبهة لهم في نفي أمر نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فضلا عن حجة ، ضعفت دعوتهم إليها ، فلم يعتد بها . على أن الرجل مستول على المرأة . فلا تؤثر فيه تأثير الرجل ، فلذلك لم يصح